محمد أبو زهرة

3387

زهرة التفاسير

أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( 78 ) . الاستفهام إنكاري بمعنى النفي مع التوبيخ ، و ( لم ) نافية ، ونفى النفي إثبات ، والمعنى يعلمون علما لا مرية فيه أن اللّه تبارك وتعالى يعلم سرهم ونجواهم ، والسر ما يكون في النفس ويجرى في العقل ، وتحدثهم به نفوسهم ، والنجوى ما يتناجون به ويتشاورون ، ولا يعلنونه جهارا بين الناس ، أي أن اللّه يعلم ما في نفوسهم وما ينوونه ، فهو عالم أنهم عند وعدهم بما وعدوه النبي صلى اللّه عليه وسلم وعاهدوه عليه ، ويعلم أنهم لن يوفوه العهد ؛ لأن اللّه تعالى يعلم ما كان وما يكون وما ينوون وما يعلنون ، وهو محيط بكل شئ ، وعليم بكل شئ . وهذا النص الكريم يفيد أن اللّه يعلم عندما عاهدوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عهدهم لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ أنهم لن يوفوا بعهدهم الذي عاهدوه مخترين « 1 » ، وأخلفوا مختارين ، ولكن اللّه تعالى تركهم في غيهم يعمهون . وأكد سبحانه بأن اللّه أحاط بكل شئ ، بقوله تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ عطف هذا المصدر على ألم يعلموا ، أي أنهم يعلمون أن اللّه تعالى يعلم سرهم ونجواهم ، وأن اللّه تعالى علام الغيوب ، يعلم ما استكن في نفوسهم من إرادة النفاق والكذب ، وأنهم لن يوفوا . وعلام الغيوب صيغة تؤكد علم اللّه تعالى الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا في كتاب ، وهو يعلم خافية الصدور ومكنون النفوس ، يعلم الغيوب كلها ما مضى وما يجئ ، وهو السميع العليم البصير القاهر فعال لما يريد . وهؤلاء الذين عاهدوا ، وغدروا ، ولم يوفوا بما وعدوا من صدقة إن أغناهم اللّه من فضله - عيابون شأن كل منافق كله عيوب ، ويعيب على غيره ، فهم يعيبون على الذين يتطوعون بقليل من المال وقد بذلوا أقصى طاقتهم ويقول اللّه تعالى في بيان هذا الحال فيهم :

--> ( 1 ) من الختر ، وهو الخيانة للعهد .